يَا أَيُّهَا
الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَاتَّقُوا
اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (1)
[تَفْسِيرُ سُورَةِ الْحُجُرَاتِ]
تَفْسِيرُ سُورَةِ الْحُجُرَاتِ مَدَنِيَّةٌ
بِإِجْمَاعٍ. وَهِيَ ثَمَانِيَ عَشْرَةَ آيَةً بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ
الرَّحِيمِ
[سورة الحجرات (49) : آيَةً 1]
بِسْمِ اللَّهِ
الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ
يَا أَيُّهَا
الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَاتَّقُوا
اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (1)
فِيهِ ثَلَاثُ
مَسَائِلَ: الْأُولَى- قَوْلُهُ تَعَالَى:" يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا
لَا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ" قال العلماء: كان في
العرب جَفَاءٌ وَسُوءُ أَدَبٍ فِي خِطَابِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ
وَسَلَّمَ وَتَلْقِيبِ النَّاسِ. فَالسُّورَةُ فِي الْأَمْرِ بِمَكَارِمِ
الْأَخْلَاقِ وَرِعَايَةِ الْآدَابِ. وَقَرَأَ الضَّحَّاكُ وَيَعْقُوبُ
الْحَضْرَمِيُّ:" لَا تَقَدَّمُوا" بِفَتْحِ التَّاءِ وَالدَّالِ مِنَ
التَّقَدُّمِ. الْبَاقُونَ" تُقَدِّمُوا" بِضَمِّ التَّاءِ وَكَسْرِ
الدَّالِ مِنَ التَّقْدِيمِ. وَمَعْنَاهُمَا ظَاهِرٌ، أَيْ لَا تُقَدِّمُوا
قَوْلًا وَلَا فِعْلًا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَقَوْلِ رَسُولِهِ وَفِعْلِهِ
فِيمَا سَبِيلُهُ أَنْ تَأْخُذُوهُ عَنْهُ مِنْ أَمْرِ الدِّينِ وَالدُّنْيَا.
وَمَنْ قَدَّمَ قَوْلَهُ أَوْ فِعْلَهُ عَلَى الرَّسُولِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ
وَسَلَّمَ فَقَدْ قَدَّمَهُ عَلَى اللَّهِ تَعَالَى، لِأَنَّ الرَّسُولَ صَلَّى
اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِنَّمَا يَأْمُرُ عَنْ أَمْرِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ.
الثَّانِيَةُ- وَاخْتُلِفَ فِي سَبَبِ نُزُولِهَا عَلَى أَقْوَالٍ سِتَّةٍ:
الْأَوَّلُ- مَا ذَكَرَهُ الْوَاحِدِيُّ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ جُرَيْجٍ قَالَ:
حَدَّثَنِي ابْنُ أَبِي مُلَيْكَةَ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ الزُّبَيْرِ
أَخْبَرَهُ أَنَّهُ قَدِمَ رَكْبٌ مِنْ بَنِي تَمِيمٍ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ
صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: أَمِّرِ الْقَعْقَاعَ
بْنَ مَعْبَدٍ. وَقَالَ عُمَرُ: أَمِّرِ الْأَقْرَعَ بْنَ حَابِسٍ. فَقَالَ أَبُو
بَكْرٍ: مَا أَرَدْتَ إِلَّا خِلَافِي. وَقَالَ عُمَرُ: مَا أَرَدْتُ خِلَافَكَ.
فَتَمَادَيَا حَتَّى ارْتَفَعَتْ أَصْوَاتُهُمَا،
يَا أَيُّهَا
الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ وَلَا
تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ أَنْ تَحْبَطَ
أَعْمَالُكُمْ وَأَنْتُمْ لَا تَشْعُرُونَ (2)
وربما احتج بغات
الْقِيَاسِ بِهَذِهِ الْآيَةِ. وَهُوَ بَاطِلٌ مِنْهُمْ، فَإِنَّ مَا قَامَتْ
دَلَالَتُهُ فَلَيْسَ فِي فِعْلِهِ تَقْدِيمٌ بَيْنَ يَدَيْهِ. وَقَدْ قَامَتْ
دَلَالَةُ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ عَلَى وُجُوبِ الْقَوْلِ بِالْقِيَاسِ فِي
فُرُوعِ الشَّرْعِ، فَلَيْسَ إِذًا تَقَدُّمٌ بَيْنَ يَدَيْهِ." وَاتَّقُوا
اللَّهَ" يَعْنِي فِي التَّقَدُّمِ الْمَنْهِيِّ عَنْهُ." إِنَّ اللَّهَ
سَمِيعٌ" لقولكم" عَلِيمٌ" بفعلكم.
[سورة الحجرات (49) : آية 2]
يَا أَيُّهَا
الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَرْفَعُوا أَصْواتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ وَلا
تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ أَنْ تَحْبَطَ
أَعْمالُكُمْ وَأَنْتُمْ لَا تَشْعُرُونَ (2)
فِيهِ سِتُّ
مَسَائِلَ: الْأُولَى- قَوْلُهُ تَعَالَى:" يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا
لَا تَرْفَعُوا أَصْواتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ" رَوَى الْبُخَارِيُّ وَالتِّرْمِذِيُّ
عَنِ ابْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ قَالَ: حَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الزُّبَيْرِ
أَنَّ الْأَقْرَعَ بْنَ حَابِسٍ قَدِمَ عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ
وَسَلَّمَ، فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: يَا رَسُولَ اللَّهِ اسْتَعْمِلْهُ عَلَى
قَوْمِهِ، فَقَالَ عُمَرُ: لَا تَسْتَعْمِلْهُ يَا رَسُولَ اللَّهِ، فَتَكَلَّمَا
عِنْدَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَتَّى ارْتَفَعَتْ
أَصْوَاتُهُمَا، فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ لِعُمَرَ: مَا أَرَدْتَ إِلَّا خِلَافِي.
فَقَالَ عُمَرُ «1» : مَا أَرَدْتُ خِلَافَكَ، قَالَ: فَنَزَلَتْ هَذِهِ
الْآيَةُ:" يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَرْفَعُوا أَصْواتَكُمْ
فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ" قَالَ: فَكَانَ عُمَرُ بَعْدَ ذَلِكَ إِذَا
تَكَلَّمَ عِنْدَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمْ يُسْمِعْ
كَلَامَهُ حَتَّى يَسْتَفْهِمَهُ. قَالَ: وَمَا ذَكَرَ ابْنُ الزُّبَيْرِ جَدَّهُ
يَعْنِي أَبَا بَكْرٍ. قَالَ: هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ حَسَنٌ. وَقَدْ رَوَاهُ
بَعْضُهُمْ عَنِ ابْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ مُرْسَلًا، لَمْ يُذْكَرْ فِيهِ عَنْ
عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ. قُلْتُ: هُوَ الْبُخَارِيُّ، قَالَ: عَنِ ابْنِ
أَبِي مُلَيْكَةَ كَادَ الْخَيِّرَانِ أَنْ يَهْلِكَا أَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ،
رَفَعَا أَصْوَاتَهُمَا عِنْدَ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ
حِينَ قَدِمَ عَلَيْهِ رَكْبُ بَنِي تَمِيمٍ، فَأَشَارَ أَحَدُهُمَا بِالْأَقْرَعِ
بْنِ حَابِسٍ أَخِي بَنِي مُجَاشِعٍ، وَأَشَارَ الْآخَرُ بِرَجُلٍ آخَرَ، فَقَالَ
نَافِعٌ: لَا أَحْفَظُ اسْمَهُ، فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ لِعُمَرَ: مَا أَرَدْتَ
إِلَّا خِلَافِي. فَقَالَ: مَا أَرَدْتُ خِلَافَكَ. فَارْتَفَعَتْ أَصْوَاتُهُمَا
__________
(1) . كلمة عمر ساقطة من أب
هـ.
إِنَّ الَّذِينَ
يَغُضُّونَ أَصْوَاتَهُمْ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ أُولَئِكَ الَّذِينَ امْتَحَنَ
اللَّهُ قُلُوبَهُمْ لِلتَّقْوَى لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ عَظِيمٌ (3)
زَجْرُ أَبِي
عُرْوَةَ «1» السِّبَاعَ إِذَا ... أَشْفَقَ أَنْ يَخْتَلِطْنَ بِالْغَنَمِ
زَعَمَتِ
الرُّوَاةُ أَنَّهُ كَانَ يَزْجُرُ السِّبَاعَ عَنِ الْغَنَمِ فَيُفْتِقُ
مَرَارَةَ السَّبُعِ فِي جَوْفِهِ. السَّادِسَةُ- قَالَ الزَّجَّاجُ:" أَنْ
تَحْبَطَ أَعْمالُكُمْ" التَّقْدِيرُ لِأَنْ تَحْبَطَ، أَيْ فَتَحْبَطُ أَعْمَالُكُمْ،
فَاللَّامُ الْمُقَدَّرَةُ لَامُ الصَّيْرُورَةِ، وَلَيْسَ قَوْلُهُ:" أَنْ
تَحْبَطَ أَعْمالُكُمْ وَأَنْتُمْ لَا تَشْعُرُونَ" بِمُوجِبٍ أَنْ يَكْفُرَ
الْإِنْسَانُ وَهُوَ لَا يَعْلَمُ، فَكَمَا لَا يَكُونُ الْكَافِرُ مُؤْمِنًا
إِلَّا بِاخْتِيَارِهِ الْإِيمَانَ عَلَى الْكُفْرِ، كَذَلِكَ لَا يَكُونُ
الْمُؤْمِنُ كَافِرًا مِنْ حَيْثُ لَا يَقْصِدُ إِلَى الْكُفْرِ وَلَا يَخْتَارُهُ
بِإِجْمَاعٍ. كَذَلِكَ لَا يَكُونُ الْكَافِرُ كَافِرًا مِنْ حَيْثُ لا يعلم.
[سورة الحجرات (49) : آية 3]
إِنَّ الَّذِينَ يَغُضُّونَ
أَصْواتَهُمْ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ أُولئِكَ الَّذِينَ امْتَحَنَ اللَّهُ
قُلُوبَهُمْ لِلتَّقْوى لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ عَظِيمٌ (3)
قَوْلُهُ
تَعَالَى:" إِنَّ الَّذِينَ يَغُضُّونَ أَصْواتَهُمْ عِنْدَ رَسُولِ
اللَّهِ" أَيْ يُخْفِضُونَ أَصْوَاتَهُمْ عِنْدَهُ إِذَا تَكَلَّمُوا
إِجْلَالًا لَهُ، أَوْ كَلَّمُوا غَيْرَهُ بَيْنَ يَدَيْهِ إِجْلَالًا لَهُ. قَالَ
أَبُو هُرَيْرَةَ: لَمَّا نَزَلَتْ" لَا تَرْفَعُوا أَصْواتَكُمْ"
قَالَ أَبُو بَكْرٍ
رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: وَاللَّهِ لَا أَرْفَعُ صَوْتِي إِلَّا كَأَخِي السِّرَارِ
«2» . وَذَكَرَ سُنَيْدٌ قَالَ: حَدَّثَنَا عَبَّادُ بْنُ الْعَوَّامِ عَنْ
مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرٍو عَنْ أَبِي سَلَمَةَ قَالَ: لَمَّا نَزَلَتْ" لَا
تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ" [الحجرات: 1] قَالَ أَبُو
بَكْرٍ: وَالَّذِي بَعَثَكَ بِالْحَقِّ لَا أُكَلِّمُكَ بَعْدَ هَذَا إِلَّا
كَأَخِي السِّرَارِ. وَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الزُّبَيْرِ: لَمَّا
نَزَلَتْ" لَا تَرْفَعُوا أَصْواتَكُمْ" مَا حَدَّثَ عُمَرُ عِنْدَ
النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَعْدَ ذَلِكَ فَسُمِعَ كَلَامُهُ
حَتَّى يَسْتَفْهِمَهُ مِمَّا يُخْفِضُ، فَنَزَلَتْ" إِنَّ الَّذِينَ
يَغُضُّونَ أَصْواتَهُمْ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ أُولئِكَ الَّذِينَ امْتَحَنَ
اللَّهُ قُلُوبَهُمْ لِلتَّقْوى ". قَالَ الْفَرَّاءُ: أَيْ أَخْلَصَهَا
لِلتَّقْوَى. وَقَالَ الْأَخْفَشُ: أَيِ اخْتَصَّهَا لِلتَّقْوَى. وَقَالَ ابْنُ
عَبَّاسٍ:" امْتَحَنَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ لِلتَّقْوى " طَهَّرَهُمْ
مِنْ كُلِّ قَبِيحٍ، وَجَعَلَ فِي قلوبهم الخوف من الله
__________
(1) . أبو عروة: كنية
العباس.
(2) . السرار (بالكسر) :
المسارة، أي كصاحب السرار، أو كمثل المساررة لخفض صوته، والكاف صفة لمصدر محذوف.
إِنَّ الَّذِينَ
يُنَادُونَكَ مِنْ وَرَاءِ الْحُجُرَاتِ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ (4)
وَالتَّقْوَى.
وَقَالَ عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: أَذْهَبَ عَنْ قُلُوبِهِمُ الشَّهَوَاتِ.
وَالِامْتِحَانُ افْتِعَالٌ مِنْ مَحَنْتُ الْأَدِيمَ مَحْنًا حَتَّى
أَوْسَعْتُهُ. فَمَعْنَى امْتَحَنَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ لِلتَّقْوَى وَسَّعَهَا
وَشَرَحَهَا لِلتَّقْوَى. وَعَلَى الْأَقْوَالِ الْمُتَقَدِّمَةِ: امْتَحَنَ
قُلُوبَهُمْ فَأَخْلَصَهَا، كَقَوْلِكَ: امْتَحَنْتُ الْفِضَّةَ أَيِ
اخْتَبَرْتُهَا حَتَّى خَلُصَتْ. فَفِي الْكَلَامِ حَذْفٌ يَدُلُّ عَلَيْهِ
الْكَلَامُ، وَهُوَ الْإِخْلَاصُ. وَقَالَ أَبُو عَمْرٍو: كُلُّ شَيْءٍ جَهَدْتُهُ
فَقَدْ مَحَنْتُهُ. وَأَنْشَدَ:
أَتَتْ رَذَايَا
بَادِيًا كَلَالُهَا ... قَدْ مَحَنَتْ وَاضْطَرَبَتْ آطالها «1»
" لَهُمْ
مَغْفِرَةً وَأَجْراً عَظِيماً".
[سورة الحجرات (49) : آية 4]
إِنَّ الَّذِينَ
يُنادُونَكَ مِنْ وَراءِ الْحُجُراتِ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ (4)
قَالَ مُجَاهِدٌ
وَغَيْرُهُ: نَزَلَتْ فِي أَعْرَابِ بَنِي تَمِيمٍ، قَدِمَ الْوَفْدُ مِنْهُمْ
عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَدَخَلُوا الْمَسْجِدَ
وَنَادَوُا النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ وَرَاءِ حُجْرَتِهِ
أَنِ اخْرُجْ إِلَيْنَا، فَإِنَّ مَدْحَنَا زَيْنٌ وَذَمَّنَا شَيْنٌ. وَكَانُوا
سَبْعِينَ رَجُلًا قَدَّمُوا الْفِدَاءَ ذَرَارِيَ لَهُمْ، وَكَانَ النَّبِيُّ
صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَامَ لِلْقَائِلَةِ. وَرُوِيَ أَنَّ الَّذِي
نَادَى الْأَقْرَعُ بْنُ حَابِسٍ، وَأَنَّهُ الْقَائِلُ: إِنَّ مَدْحِي زَيْنٌ
وَإِنْ ذَمِّي شَيْنٌ، فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:]
ذَاكَ اللَّهُ [. ذَكَرَهُ التِّرْمِذِيُّ عَنِ الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ أَيْضًا.
وَرَوَى زَيْدُ بْنُ أَرْقَمَ فَقَالَ: أَتَى أُنَاسٌ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ
عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ: انْطَلِقُوا بِنَا إِلَى هَذَا
الرَّجُلِ، فَإِنْ يَكُنْ نَبِيًّا فَنَحْنُ أَسْعَدُ النَّاسِ بِاتِّبَاعِهِ،
وَإِنْ يَكُنْ مَلِكًا نَعِشْ فِي جِنَابِهِ «2» . فَأَتَوُا النَّبِيَّ صَلَّى
اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَجَعَلُوا يُنَادُونَهُ وَهُوَ فِي حُجْرَتِهِ: يَا
مُحَمَّدُ، يَا مُحَمَّدُ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى هَذِهِ الْآيَةَ. قِيلَ:
إِنَّهُمْ كَانُوا مِنْ بَنِي تَمِيمٍ. قَالَ مُقَاتِلٌ: كَانُوا تِسْعَةَ عَشَرَ:
قَيْسَ بْنَ عَاصِمٍ، وَالزِّبْرِقَانَ بْنَ بَدْرٍ، وَالْأَقْرَعَ بْنَ حَابِسٍ،
وَسُوَيْدَ بْنَ هَاشِمٍ، وَخَالِدَ بْنَ مَالِكٍ، وَعَطَاءَ بْنَ حَابِسٍ،
وَالْقَعْقَاعَ بْنَ مَعْبَدٍ، ووكيع بن وكيع، وعيينة بن حصن
__________
(1) . الرذايا: جمع رذية،
وهي الناقة المهزولة من السير. والكلال: الإعياء. والآطال: جمع إطل، وهو الخاصرة.
(2) . في الطبري:" في
جناحه". [.....]
وَلَوْ أَنَّهُمْ
صَبَرُوا حَتَّى تَخْرُجَ إِلَيْهِمْ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ
رَحِيمٌ (5)
وَهُوَ الْأَحْمَقُ
الْمُطَاعُ، وَكَانَ مِنَ الْجَرَّارِينَ يَجُرُّ عَشَرَةَ آلَافِ قَنَاةٍ، أَيْ
يَتْبَعُهُ، وَكَانَ اسْمُهُ حُذَيْفَةَ وَسُمِّيَ عُيَيْنَةَ لِشَتَرٍ «1» كَانَ
فِي عَيْنَيْهِ ذَكَرَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ فِي عُيَيْنَةَ هَذَا أَنَّهُ الَّذِي
نَزَلَ فِيهِ" وَلا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنا" «2»
[الكهف: 28] . وَقَدْ مَضَى فِي آخِرِ" الْأَعْرَافِ" مِنْ قَوْلِهِ
لِعُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ مَا فِيهِ كِفَايَةٌ «3» ، ذَكَرَهُ
الْبُخَارِيُّ. وَرُوِيَ أَنَّهُمْ وَفَدُوا وَقْتَ الظَّهِيرَةِ وَرَسُولُ
اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَاقِدٌ، فَجَعَلُوا يُنَادُونَهُ: يَا
مُحَمَّدُ يَا مُحَمَّدُ، اخْرُجْ إلينا، فاستيقظ وخرج، ونزلت. وسيل رسول الله
صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فقال:] هُمْ جُفَاةُ بَنِي تَمِيمٍ لَوْلَا
أَنَّهُمْ مِنْ أَشَدِّ النَّاسِ قِتَالًا لِلْأَعْوَرِ الدَّجَّالِ لَدَعَوْتُ
اللَّهَ عليهم أن يهلكهم [. والحجرات جمع الحجرة، كَالْغُرُفَاتِ جَمْعِ غُرْفَةٍ،
وَالظُّلُمَاتِ جَمْعِ ظُلْمَةٍ. وَقِيلَ: الْحُجُرَاتُ جَمْعُ الْحُجَرِ،
وَالْحُجَرُ جَمْعُ حُجْرَةٍ، فَهُوَ جَمْعُ الْجَمْعِ. وَفِيهِ لُغَتَانِ ضَمُّ
الْجِيمِ وَفَتْحُهَا «4» . قَالَ:
وَلَمَّا رَأَوْنَا
بَادِيًا رُكَبَاتُنَا ... عَلَى مَوْطِنٍ لَا نَخْلِطُ الْجِدَّ بِالْهَزْلِ
وَالْحُجْرَةُ:
الرُّقْعَةُ مِنَ الْأَرْضِ الْمَحْجُورَةِ بِحَائِطٍ يُحَوِّطُ عَلَيْهَا.
وَحَظِيرَةُ الْإِبِلِ تُسَمَّى الْحُجْرَةُ، وَهِيَ فُعْلَةٌ بِمَعْنَى
مَفْعُولَةٍ. وَقَرَأَ أَبُو جَعْفَرِ بْنُ الْقَعْقَاعِ" الْحُجَرَاتِ"
بِفَتْحِ الْجِيمِ استثقالا للضمتين. وقرى" الْحُجْرَاتِ" بِسُكُونِ
الْجِيمِ تَخْفِيفًا. وَأَصْلُ الْكَلِمَةِ الْمَنْعُ. وَكُلُّ مَا مَنَعْتَ أَنْ
يُوصَلَ إِلَيْهِ فَقَدْ حَجَرْتَ عَلَيْهِ. ثُمَّ يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ
الْمُنَادِي بَعْضًا مِنَ الْجُمْلَةِ فَلِهَذَا قَالَ:" أَكْثَرُهُمْ لَا
يَعْقِلُونَ" أَيْ إِنَّ الَّذِينَ يُنَادُونَكَ مِنْ جُمْلَةِ قوم الغالب
عليهم الجهل.
[سورة الحجرات (49) : آية 5]
وَلَوْ أَنَّهُمْ
صَبَرُوا حَتَّى تَخْرُجَ إِلَيْهِمْ لَكانَ خَيْراً لَهُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ
رَحِيمٌ (5)
أَيْ لَوِ انتظروا
خروجك لكان أصلح لهم فِي دِينِهِمْ وَدُنْيَاهُمْ. وَكَانَ صَلَّى اللَّهُ
عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَا يَحْتَجِبُ عَنِ النَّاسِ إِلَّا فِي أوقات يشتغل فيها
بِمُهِمَّاتِ نَفْسِهِ، فَكَانَ إِزْعَاجُهُ فِي تِلْكَ الْحَالَةِ
__________
(1) . الشتر (بفتحتين) :
انقلاب في جفن العين.
(2) . آية 28 سورة الكهف.
(3) . راجع ج 7 ص (347)
(4) . وفية لغة ثالثة: سكون
الجيم.
يَا أَيُّهَا
الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا
قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ (6)
مِنْ سُوءِ
الْأَدَبِ. وَقِيلَ: كَانُوا جَاءُوا شُفَعَاءَ فِي أُسَارَى بَنِي عَنْبَرٍ
فَأَعْتَقَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نِصْفَهُمْ،
وَفَادَى عَلَى النِّصْفِ. وَلَوْ صَبَرُوا لَأَعْتَقَ جَمِيعَهُمْ بِغَيْرِ
فِدَاءٍ." وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ"
[سورة الحجرات (49) : آية 6]
يَا أَيُّهَا
الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جاءَكُمْ فاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا
قَوْماً بِجَهالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلى مَا فَعَلْتُمْ نادِمِينَ (6)
فِيهِ سَبْعُ
مَسَائِلَ: الْأُولَى- قَوْلُهُ تَعَالَى:" يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا
إِنْ جاءَكُمْ فاسِقٌ بِنَبَإٍ" قِيلَ: إِنَّ هَذِهِ الْآيَةَ نَزَلَتْ فِي
الْوَلِيدِ بْنِ عُقْبَةَ بْنِ أَبِي مُعَيْطٍ. وَسَبَبُ ذَلِكَ مَا رَوَاهُ
سَعِيدٌ عَنْ قَتَادَةَ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ
بَعَثَ الْوَلِيدَ بْنَ عُقْبَةَ مُصَدِّقًا»
إِلَى بَنِي
الْمُصْطَلِقِ، فَلَمَّا أَبْصَرُوهُ أَقْبَلُوا نَحْوَهُ فَهَابَهُمْ- فِي
رِوَايَةٍ: لِإِحْنَةٍ كَانَتْ بَيْنَهُ وَبَيْنَهُمْ-، فَرَجَعَ إِلَى النَّبِيِّ
صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَأَخْبَرَهُ أَنَّهُمْ قَدِ ارْتَدُّوا عَنِ
الْإِسْلَامِ. فَبَعَثَ نَبِيُّ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ
خَالِدَ بْنِ الْوَلِيدِ وَأَمَرَهُ أَنْ يَتَثَبَّتَ وَلَا يَعْجَلَ، فَانْطَلَقَ
خَالِدٌ حَتَّى أَتَاهُمْ لَيْلًا، فَبَعَثَ عُيُونَهُ فَلَمَّا جَاءُوا
أَخْبَرُوا خَالِدًا أَنَّهُمْ مُتَمَسِّكُونَ بِالْإِسْلَامِ، وَسَمِعُوا
أَذَانَهُمْ وَصَلَاتَهُمْ، فَلَمَّا أَصْبَحُوا أَتَاهُمْ خَالِدٌ وَرَأَى
صِحَّةَ مَا ذَكَرُوهُ، فَعَادَ إِلَى نَبِيِّ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ
وَسَلَّمَ فَأَخْبَرَهُ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ، فَكَانَ يَقُولُ نَبِيُّ
اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:] التَّأَنِّي مِنَ اللَّهِ
وَالْعَجَلَةُ مِنَ الشَّيْطَانِ [. وَفِي رِوَايَةٍ: أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى
اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَعَثَهُ إِلَى بَنِي الْمُصْطَلِقِ بَعْدَ
إِسْلَامِهِمْ، فَلَمَّا سَمِعُوا بِهِ رَكِبُوا إِلَيْهِ، فَلَمَّا سَمِعَ بِهِمْ
خَافَهُمْ، فَرَجَعَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ
فَأَخْبَرَهُ أَنَّ الْقَوْمَ قَدْ هَمُّوا بِقَتْلِهِ، وَمَنَعُوا صَدَقَاتِهِمْ.
فَهَمَّ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِغَزْوِهِمْ،
فَبَيْنَمَا هُمْ كَذَلِكَ إِذْ قَدِمَ وَفْدُهُمْ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى
اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، سَمِعْنَا
بِرَسُولِكَ فَخَرَجْنَا إِلَيْهِ لِنُكْرِمَهُ، وَنُؤَدِّيَ إِلَيْهِ مَا
قِبَلَنَا مِنَ الصَّدَقَةِ، فَاسْتَمَرَّ رَاجِعًا، وَبَلَغَنَا أَنَّهُ يَزْعُمُ
لِرَسُولِ اللَّهِ أَنَّا خَرَجْنَا لِنُقَاتِلَهُ، وَاللَّهِ مَا خَرَجْنَا
لِذَلِكَ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى هَذِهِ الْآيَةَ، وَسُمِّيَ الْوَلِيدُ
فَاسِقًا أي كاذبا. قال
__________
(1) . المصدق (بتخفيف الصاد
وتشديد الدال) العامل الذي يجبى الصدقات.
وَاعْلَمُوا أَنَّ
فِيكُمْ رَسُولَ اللَّهِ لَوْ يُطِيعُكُمْ فِي كَثِيرٍ مِنَ الْأَمْرِ لَعَنِتُّمْ
وَلَكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الْإِيمَانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ
وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيَانَ أُولَئِكَ هُمُ الرَّاشِدُونَ
(7)
فَلَا يَنْبَغِي
لِأَحَدٍ أَنْ يَتْرُكَ الصَّلَاةَ مَعَ مَنْ لَا يَرْضَى مِنَ الْأَئِمَّةِ،
وَلَكِنْ يُعِيدُ سِرًّا فِي نَفْسِهِ، وَلَا يُؤْثِرُ ذَلِكَ عِنْدَ غَيْرِهِ.
الرَّابِعَةُ- وَأَمَّا أَحْكَامُهُ إِنْ كَانَ وَالِيًا فَيُنَفِّذُ مِنْهَا مَا
وَافَقَ الْحَقَّ وَيَرُدُّ مَا خَالَفَهُ، وَلَا يُنْقَضُ حُكْمُهُ الَّذِي
أَمْضَاهُ بِحَالٍ، وَلَا تَلْتَفِتُوا إِلَى غَيْرِ هَذَا الْقَوْلِ مِنْ
رِوَايَةٍ] تُؤْثَرُ [ «1» أَوْ قَوْلٍ يُحْكَى، فَإِنَّ الْكَلَامَ كَثِيرٌ
وَالْحَقُّ ظَاهِرٌ. الْخَامِسَةُ- لَا خِلَافَ فِي أَنَّهُ يَصِحُّ أَنْ يَكُونُ
رَسُولًا عَنْ غَيْرِهِ فِي قَوْلٍ يُبَلِّغُهُ أَوْ شَيْءٍ يُوَصِّلُهُ، أَوْ
إِذْنٍ يُعْلِمُهُ، إِذَا لَمْ يَخْرُجْ عَنْ حَقِّ الْمُرْسِلِ وَالْمُبَلَّغِ،
فَإِنْ تَعَلَّقَ بِهِ حَقٌّ لِغَيْرِهِمَا لَمْ يُقْبَلْ قَوْلُهُ. وَهَذَا
جَائِزٌ لِلضَّرُورَةِ الدَّاعِيَةِ إِلَيْهِ، فَإِنَّهُ لَوْ لَمْ يَتَصَرَّفْ
بَيْنَ الْخَلْقِ فِي هَذِهِ الْمَعَانِي إِلَّا الْعُدُولُ لَمْ يَحْصُلْ منها
«2» شي لِعَدَمِهِمْ فِي ذَلِكَ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ. السَّادِسَةُ- وَفِي الآية
دليل على فساد قول مَنْ قَالَ: إِنَّ الْمُسْلِمِينَ كُلُّهُمْ عُدُولٌ حَتَّى
تَثْبُتَ الْجُرْحَةُ، لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَمَرَ بِالتَّثَبُّتِ قَبْلَ
الْقَبُولِ، وَلَا مَعْنَى لِلتَّثَبُّتِ بَعْدَ إِنْفَاذِ الْحُكْمِ، فَإِنْ
حَكَمَ الْحَاكِمُ قَبْلَ التَّثَبُّتِ فَقَدْ أَصَابَ الْمَحْكُومَ عَلَيْهِ
بِجَهَالَةٍ. السَّابِعَةُ- فَإِنْ قَضَى بِمَا يَغْلِبُ عَلَى الظَّنِّ لَمْ
يَكُنْ ذَلِكَ عَمَلًا بِجَهَالَةٍ، كَالْقَضَاءِ بِالشَّاهِدَيْنِ الْعَدْلَيْنِ،
وَقَبُولِ قَوْلِ الْعَالِمِ الْمُجْتَهِدِ. وَإِنَّمَا الْعَمَلُ بِالْجَهَالَةِ
قَبُولُ قَوْلِ مَنْ لَا يَحْصُلُ غَلَبَةُ الظَّنِّ بِقَبُولِهِ. ذَكَرَ هذه
المسألة القشيري، والذي قبلها المهدوي.
[سورة الحجرات (49) : الآيات 7 الى 8]
وَاعْلَمُوا أَنَّ
فِيكُمْ رَسُولَ اللَّهِ لَوْ يُطِيعُكُمْ فِي كَثِيرٍ مِنَ الْأَمْرِ لَعَنِتُّمْ
وَلكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الْإِيمانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ
وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيانَ أُولئِكَ هُمُ
الرَّاشِدُونَ (7) فَضْلاً مِنَ اللَّهِ وَنِعْمَةً وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (8)
__________
(1) . زيادة عن ابن العربي.
(2) . في ابن العربي:"
منهم".] [

